الجريمة والعقاب-رواية

نوفمبر 22, 2018

الجريمة والعقاب-رواية مقدمة قد يصح القول: إن رواية الكاتب الروسي الشهير دوستويفسكي (الجريمة والعقاب) أشهرالروايات العالمية وكانت مادة غنية للأبحاث النفسية لمعرفة نوازع الذات البشرية ودوافعها والوسائل والأدوات التي تظهرها من أجل تسويغ تصرفاتها التي تجنح نحو الخير مرة، ونحو الشر مرة. وقد كتبها صاحبها على عجل، وتحت ضغوط نفسية واجتماعية ومالية عانى منها دوستويفسكي لكي يسدد ديونه، ومع هذا فإنها تعد أهم دراسة نفسية سبرت أغوار الذات البشرية وضمت ثنائيات عدة أهمها الرذيلة والفضيلة، والمقدس والمدنس، والسفاهة والنبل، وتلك النوازع والدوافع التي تحول دون التمييز ما بينها، وذلك بسبب الاضطراب النفسي، والضغط الاجتماعي، والحيرة الكبيرة التي تقود الأفراد إلى تصرفات لم تكن غاية أو هدفاً أو طموحاً، والوقوع، فيما بعد، في دائرة الندم، والسعي إلى التفكير بطلب الغفران. المضمون كتب دوستويفسكي روايته سنة (1866) وعمره خمسة وأربعون عاماً، وقد كان غارقاً في مشكلات اجتماعية ومالية كبيرة، فهو وبعد خروجه من السجن، ونجاته من تنفيذ حكم الإعدام به ومجموعة من رفاقه لاتهامه بالتحريض والإعداد للثورة ضد القيصر، تعرض إلى إفلاس المجلة التي عمل على اصدارها (الحقبة)، وصودرت صحيفة (الوقت) التي نشر فيها روايته (مذلون مهانون)، و(ذكريات من منزل الموتى)، فساءت أحواله الاجتماعية، ولزم البيت وشرع يكتب روايته (الجريمة والعقاب) لعلها تنقذه من أزمته المالية، وتعيد إلى اسمه البريق الأدبي، وقد قوبلت بآراء مختلفة تراوحت ما بين الحماسة لها والحط من شأنها، فالذين امتدحوها رأوا فيها براعة السيطرة على الشخصيات، ومعرفة ما تريده، وسبر أعماقها، ورصد تحولات دوافعها، وما تبديه الشخصيات من تصرفات وسلوك، أي الوقوف على أسرار الحياة وأسرار النفس، والكشف عن الدوافع الحقيقية المؤدية إلى الخير والشر في آن. تقدم رواية (الجريمة والعقاب) على معرفة دوافع الذات البشرية التي تقود إلى الشر، والأسباب المؤدية إلى ذلك، ومن بعد تبدو فكرة أن لا خلاص إلا بالخلاص الأخلاقي، وأن المعاناة أياً كان حجمها، لا خلاص لها إلا الغفران. شخصيات الرواية تعددت شخصيات رواية (الجريمة والعقاب)، أبرزها شخصية (راسكولينكوف) الطالب الجامعي، ذو السلوك النبيل، الذي يتعرف إلى مرابية عجوز، يستدين منها لقاء (رهونات) يستعيدها منها كلها وفّى بتسديد ديونه، ويسود هذه العلاقة تشويش فكري عن قيمة هذه (المرابية) في المجتمع؟! وهل حياتها ضرورية؟ أم أن الخلاص منها (بالموت) هو الأكثر ضرورة؟! ثم ما حاجة المجتمع الروسي إليها وهي تمتص العافية الاجتماعية، وإن لم يكن ذلك فهي تشوه العلاقات الاجتماعية؟ ثم لماذا هي تمتلك كل هذه الأموال والمجوهرات، والطالب راسكولينكوف لا يمتلك شيئاً؟ وإلى متى ستظل هذه العلاقة المهنية المذلة التي تربط أحدهما بالآخر؟! كل تلك الأسئلة تدفع بالطالب راسكولينكوف إلى أن يكتب مقالة تقول لا بدّ من احترام الأشخاص المتفوقين، وأن هؤلاء الأشخاص المتفوقين هم فوق القانون، بسبب تفوقهم، ويحق لهم ما لم يحق لغيرهم (من غير المتفوقين) تحت وقع هذه الفكرة يشرع (راسكولينكوف) بالتخطيط للخلاص من المرابية بعد أن ساءت علاقته بها، وبعد أن ازدادت كراهيتها وتنامت في نفسه، حتى تنتهي تلك العلاقة بقتله العجوز، وأخذ بعض مالها وتبدأ الأسئلة تحاصره: كيف أقدم على هذا العمل؟ ولماذا؟ كل ذلك يوقع (راسكولينكوف) بأيدي أفراد الشرطة الذين وضعوه تحت المراقبة على الرغم من أن شكوكهم به كانت ضعيفة جداً، وعلى الرغم من أن (راسكولينكوف) نفسه استطاع أن يغرر بأفراد الشرطة ويبعدهم عن دائرة التفكير بأن يكون هو طرفاً في أحداث الجريمة. إن الضغط النفسي الذي بات يشكل وسواساً نفسياً وقاهراً لصمود (راسكولينكوف) ورفضه الاعتراف بجريمته، وتوقه للخلاص من أعباء هذا الفعل اللا أخلاقي، كلها تقوده إلى الاعتراف بأنه هو من قتل المرابية؟ لأنه شعر بأنه لا حاجة للمجتمع الروسي بها، وأن خلاص المجتمع منها هو خير له لا شر، وأن (المرابية) لا عمل لها سوى مصّ دم الفقراء، وأنها تشوه جمال الحياة مثلما تشوه جمال النفوس، ودوافع الخير حين تقود الآخرين للتفكير بالاستيلاء على أموالها التي تتكدس من دون أي فعل ونشاط يفيد المجتمع. لقد أراد (راسكولينكوف) المال من أجل غاية خيّرة، وهي متابعة تحصيله العلمي، لأن أسرته ما عادت قادرة على امداده بالمال، وهو بلا عمل، وليس لديه من الممتلكات ما يساعده على تدبير شؤونه الحياتية التي لا تتعدى الطعام والشراب والملابس والدفء وتأمين ما يحتاج إليه من كتب! لكن تلك الحاجة إلى المال تقوده إلى القتل، وإلى تدمير حياته، وعدم التفكير بموضوعة التفوق، والبحث عن السعادة، وانتهاج الطريق الخاطئة من أجل الوصول إلى الحلم. ومن شخصيات الرواية أيضاً أخت راسكولينكوف التي تقع في الرذيلة، فتعمل على بيع جسدها للآخرين، على الرغم من أنها مرتبطة بخطبة لأحد أهم خبثاء المجتمع، لكنه لا يظهر أمام الناس إلا بمظهر الشريف المحترم، وصديقته (سونيا) عاهرة أيضاً، لكن أقوالها ونصائحها تشبه أقوال القديسين ونصائحهم، فهي لا تريد لـ (راسكولينكوف) أن يسلك دروب الشر، إنها تحاول طوال فترة تعارفهما على مساعدته، وحبه لها هو ما يدفعه للاعتراف بجريمته، لأن دوافع (سونيا) دوافع خيّرة، وهي تشفق عليه أكثر مما تحبه لأن مهنتها لا تسمح لها بأن تحب أحداً أياً كان هذا الأحد! إن أهم ما يميز شخصيات (الجريمة والعقاب) يتمثل في الثنائيات المتلازمة، فخطيب أخت (راسكولينكوف) حاقد، ومصاص دماء مثل المرابية، لكن يظهر نفسه أمام المجتمع شريفاً محترماً، و(سونيا) التي تبيع جسدها تسعى إلى عالم النبل ليس بغية الخلاص من اقتراف الرذيلة، وأخت (راسكولينكوف) تتحول إلى عالم الرذيلة، لا تبصر نوراً يقودها إلى عالم النبل، أو يبقيها عن عالم لا تريده أصلاً. رواية عالمية إن رواية الجريمة والعقاب رواية عالمية لا تخص المجتمع الروسي وحده، فقد انتقلت إلى العالمية، مثلما خرجت من مدونة الأدب إلى مدونات لها علاقة بعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم القانون والجريمة. كتب دوستويفسكي بعد الجريمة والعقاب روايات أخرى منها (المقامر) و(الأبله)، و(الإخوة كارامازوف) التي أضافت الكثير إلى شهرته الأدبية، حتى وصل إلى رُتبة واحدة مع تولستوي وتورغينيف، كما غدا واحداً من أعلام روسيا الكبار الذين سعى أهل الترجمة إلى ترجمة أعمالهم إلى اللغات العالمية كالفرنسية، والإنكليزية، والألمانية، والأسبانية. وعلى من ذلك ظلّت روايته (الجريمة والعقاب) الرواية التي تعرّف بموهبته الروائية الساحرة، وبثقافته الشمولية.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة